البعثات العلمية وأثرها في النهضة الأدبية الحديثة

البعثات العلمية وأثرها في النهضة الأدبية الحديثة :

البعثات العلمية

البعثات العلمية وما يشبهها من الرحلات والهجرة :

التأثير الثقافي الغربي والعزلة العثمانية في مصر القديمة :

عرفت أن العثمانيين كانوا قد فرضوا عزلة على مصر والولايات العربية التي كانت تحت سلطانهم، ومع ذلك فقد كان هناك قليل من الأفراد يعرفون معلومات ضئيلة عن الغرب، وكانت هذه المعلومات ترد إليهم إما عن ظروف سفر استثنائية، أو عن طريق ما يسمعون أو يقرءون أو من خلال مجيء بعض الأجانب إلى بلاد الشرق، فيحدث لقاء هنا أو هناك، وتسقط إلى النفوس والخواطر صور باهتة ومعارف منقوصة عن حياة الغربيين ثم كانت هناك المشاهد التي ذكرها الجبرتي عن سلوك الفرنسيين أثناء الحملة وعاداتهم.

محمد علي وإرسال البعثات العلمية لتأسيس مصر الحديثة :

ولما أخذ "محمد علي" ينشئ دولته، ويكون جيشه، استقدم المدرسين الأوربيين للمدارس الخصوصية، ثم بدأ في إرسال الطلاب النابهين إلى البلاد الأوربية وكان الغرض من هذه البعثات أن يتخصص هؤلاء الطلاب في الفروع العلمية الدقيقة، وفي الفنون العملية الصناعية فيعد بذلك جيلًا من العلماء والفنيين، فتأخذ عنهم الأجيال اللاحقة، ويتتلمذ كل جيل على الذي قبله، واتجهت البعوث أولا إلى إيطاليا، وسرعان ما اتجهت إلى فرنسا والنمسا وبريطانيا ثم انحصرت أخيرًا في فرنسا فأرسل في سنة ١٨٢٦ م بعثة إلى فرنسا عدتها أربعون طالبًا، تخصصوا في شتى العلوم والفنون من حقوق وعلوم سياسية وهندسة حربية وطب ، وزراعة وتاريخ طبيعي وميكانيكا، وكيمياء، وطباعة، وحفر، وغير ذلك مما استلزمته النهضة الحديثة (1).

رفاعة الطهطاوي: الإمام الأزهري ورائد التقدم في البعثة الفرنسية :

وكان من بين أعضاء هذه البعثة شاب أزهري هو الشيخ رفاعة الطهطاوي، فقد طلب محمد علي من الشيخ حسن العطار" أن يختار من بين طلابه الأزهريين شابًا نابها أمينا ليكون إمامًا يوم طلاب البعثة في الصلاة، ويقوم على مراقبة سلوكهم، فتوسم الشيخ العطار في رفاعة الطهطاوي القدرة على الاضطلاع بهذه المهمة، وأوصاه أن يفتح عينيه على كل ما يراه في "فرنسا" من أسباب التقدم.

يقول رفاعة مشيرًا إلى هذه الوصية: "فلما رسم اسمي في جملة المسافرين وعزمت على التوجه، أشار عليَّ بعض الأقارب والمحبين لا سیما شيخنا العطار - فإنه مولع بسماع عجائب الأخبار، والاطلاع على غرائب الآثار - أن أنبه على ما يقع في هذه السفرة، وعلى ما أراه وما أصادفه من الأمور الغريبة، والأشياء العجيبة ليكون نافعا في كشف القناع عن هذه البقاع"(2).

----------------------

(1) في الأدب العربي المعاصر للدكتور / إبراهيم عوضين، ص ١٤ ، وانظر: تخليص الإبريز في تلخيص باريز الرفاعة الطهطاوي، ص ١٥١ ، وتاريخ الحركة القومية لعبد الرحمن الرافعي، جــ ۳، ص ١٥٥ .

(2) تخليص الإبريز في تلخيص باريز، ص ٤.

“تخليص الإبريز في تلخيص باريز”: رحلة رفاعة الطهطاوي العلمية :

وقد جمع رفاعة مشاهداته وملحوظاته في كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز". 

رفاعة الطهطاوي: من إمام بعثة إلى رائد النهضة العلمية في مصر :

وفي فرنسا سرعان ما أجاد الفرنسية، وفاق في تعلمها زملاءه، ولم يعد إلى مصر وهو مجرد إمام مهمته أن يؤم أعضاء البعثة بل صار أنبغ هؤلاء الأعضاء وأعظمهم قيمة وريادة.

“بعثة الأنجال”: تأسيس النخبة العلمية لمصر برعاية محمد علي :

وقد أتبع "محمد علي" هذه البعثة ببعثات أخرى حتى بلغت سنة ١٨٤٧م إحدى عشرة بعثة، ومن أهم هذه البعثات تلك البعثة التي سميت ببعثة "الأنجال"، وهي التي أرسلها سنة ١٨٤٤م ، وسميت بهذا الاسم لأنها ضمت خمسة من أمراء أسرة "محمد علي" على رأسهم "الأمير إسماعيل" الذي صار خديوي مصر فيما بعد، وقد اختير أعضاء هذه البعثة بعناية شديدة، وقام على عملية الاختيار سليمان باشا الفرنساوي، ومن أعضائها المرموقين الذي كان لهم تأثير في الحياة الثقافية والنهضة المدنية في مصر "علي مبارك باشا" ، و "محمد" شريف باشا" ، و "حسن" أفلاطون باشا"، و"محمد عارف باشا ، ومن مظاهر عناية محمد علي" بهذه البعثة أنه أنشأ على نفقة مصر مدرسة خاصة بباريس لتعليم المصريين، وكان يتابع أنباءهم، ويتقصى أخبارهم ويرسل إليهم الخطابات والمراسيم ويستحثهم على الجد والاجتهاد، وقد يوجه التأنيب واللوم إلى من يبلغه عنه الزلل أو التقصير فيذكّره بواجبه، وما تنتظره البلاد منه في مقابل ما أنفقت عليه.

إحياء البعثات العلمية ومدرسة باريس في عهد الخديوي إسماعيل :

وكما توقف التعليم في عهدي عباس وسعيد توقفت البعثات ثم عادت إلى نشاطها في عهد الخديوي إسماعيل فبلغ عدد أعضائها في عهده اثنين وسبعين ومائة، وأعاد مدرسة البعثات بباريس لما تبين له من أهميتها.

توسع البعثات المصرية من العلوم إلى آفاق الآداب والفنون الغربية :

وتوالت البعثات العلمية والثقافية إلى الغرب في العهود المتعاقبة وكانت في أول أمرها متجهة إلى دراسة العلوم، ثم أخذت في تجاوز العلوم إلى الآداب والفنون.

“التأثيرات الثقافية لرحلات العرب إلى الغرب للسياحة والدراسة” :

وإلى جانب البعثات كان هناك أسباب أخرى أدت إلى الاحتكاك المباشر بالحياة الغربية منها قيام بعض العرب برحلات إلى البلاد الغربية للسياحة أو للدرس مثل: "أحمد فارس الشدياق" الذي زار إنجلترا وفرنسا ومالطة، و رزق الله "حسون الذي جاب أيضا بعض بلاد أوربا. 

" الهجرة العربية للأمريكتين وتأثير الاضطهاد العثماني " :

وكانت هناك موجات هجرة إلى الأمريكتين قام بها بعض العرب وأنشأوا جاليات بهاتين القارتين، وكان أكثر المهاجرين من اللبنانيين لما طبعوا عليه من حب الارتحال، ولما كانوا يتعرضون له من الاضطهاد على أيدي العثمانيين.

" تأثير البعوث والرحلات والهجرة على الأدب العربي " :

أولا: إثراء المكتبة الأدبية بمؤلفات هامة تعد من عيون أدب الرحلات فبعض هؤلاء المبعوثين عنوا كل العناية بتسجيل مشاهداتهم وعرضها في إطار أدبي، من ذلك ما مر بك من صنيع رفاعة الطهطاوي" في "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، وقد كتب علي مبارك "باشا" كتابا عن رحلته سماه "علم الدين"، وكتب "أحمد" فارس الشدياق" عن رحلتيه إلى أوربا وإلى مالطة، وكتب آخرون يوازنون بين أساليب الحياة في الشرق والغرب.

ثانيا: التغيير الفكري للمبعوثين، وعودتهم باتجاهات جديدة كان لها تأثيرها في الثقافة والأدب.

ثالثًا: ترجمة نتاج الفكر الغربي إلى اللغة العربية فهؤلاء المبعوث كانوا هم نواة حركة الترجمة وأعمدتها الأولى وإليك تفصيل ذلك في العامل الثالث من العوامل المؤثرة في الأدب.

تعليقات